السيد كمال الحيدري

257

أصول التفسير والتأويل

( النساء : 82 ) ومعلوم أنّ نفى الاختلاف عنه لا يكون إلّا بتدبّره كلّه ، وإلّا فتدبّر بعضه لا يوجب الحكم بنفي مخالفه ما لم يتدبّر لما تدبّر . وأيضاً فالسلف من الصحابة والتابعين وسائر الأُمّة قد تكلّموا في جميع نصوص القرآن آيات الصفات وغيرها ، وفسّروها بما يوافق دلالتها وبيانها ، ورووا عن النبي صلى الله عليه وآله أحاديث كثيرة توافق القرآن . وكذلك الأئمّة كانوا إذا سئلوا عن شئ من ذلك لم ينفوا معناه بل يثبتون المعنى وينفون الكيفية ، كقول مالك بن أنس لمّا سئل عن قوله تعالى : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى كيف استوى ؟ فقال : الاستواء معلوم ، والكيف مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة . وقد بيّن أنّ الاستواء معلوم كما أنّ سائر ما أخبر به معلوم ، ولكن الكيفية لا تُعلم ولا يجوز السؤال عنها ، لا يقال : كيف استوى ؟ ولم يقل مالك : الكيف معدوم وإنّما قال : الكيف مجهول . وهذا فيه نزاع بين أصحابنا وغيرهم من أهل السنّة ، غير أنّ أكثرهم يقولون : لا تخطر كيفيّته ببال ولا تجرى ماهيّته في مقال . فإن قيل : معنى قوله الاستواء معلوم أنّ ورود هذا اللفظ في القرآن معلوم ، كما قاله بعض أصحابنا الذين يجعلون معرفة معانيها من التأويل الذي استأثر الله بعلمه . قيل : هذا ضعيف ، فإنّ هذا من باب تحصيل الحاصل ؛ فإنّ السائل قد علم أنّ هذا موجود في القرآن وقد تلا الآية . وأيضاً فلم يقل ذكر الاستواء من القرآن ولا إخبار الله بالاستواء وإنّما قال : الاستواء معلوم ، فأخبر عن الاسم المفرد أنّه معلوم ولم يخبر عن الجملة . وأيضاً فإنّه قال : « والكيف مجهول » ولو أراد ذلك لقال : معنى الاستواء مجهول أو تفسير الاستواء